عدد كبير من الاساتذة للحراسة في البكالوريا
الرئيسية » أخبار الدراسة » عدد كبير من الاساتذة للحراسة في البكالوريا

عدد كبير من الاساتذة للحراسة في البكالوريا

المصدر : جريدة الشروق

2014-tricheursbac

هي أيام قليلة، تفصل نصف مليون طالب بكالوريا عن موعد امتحان العمر، ومليون ونصف مليون طالب جامعي عن موعد امتحانات نهاية السنة، وجيش من الأساتذة والإداريين الذين سينسون دورهم التربوي والتعليمي، لأجل أن يتحوّلوا إلى حراس لمراقبة الطلبة، ومنعهم من الغش، الذي استفحل في كل مجالات الحياة، وتمكّن من البدن العلمي والمعارفي، وتحوّل في السنوات الأخيرة إلى علم مواز قائم بذاته، يمارسه الطلبة بطرق احتيالية وإجرامية متنوعة ويتعاطونه مثل المخدر، بل ويذكرون الطلبة والإطارات الذين حصلوا على الشهادات والنقاط العليا بالغش كفرسان وظواهر وعباقرة.

ومن الذكور إلى الإناث بلغ فيروس الغش حتى أسوار الجامعة الإسلامية، ولم يعد يجد بعض طلبة الشريعة أي حرج في الغش في مواد فقهية تُحرّم الغش، ويشترك الأساتذة والأولياء والمجتمع والدولة في انتشار هذه الظاهرة المؤلمة التي منحتنا شهادات مزوّرة وإطارات مزيفة، وعالما قائما بذاته من الغشاشين الذين رفضوا أن يبقى الغش في عالم التجارة والسياسة ونقلوه إلى العلم الذين كان نورا فظلّموه بالغش، وكان طلبه مستحسنا ولو في الصين، فصار بين وريقات الغش، وكان محببا من المهد إلى اللحد، فدفنوه في قبور الغش، بالرغم من حرمة هذه الأساليب التي عجز المعلمون منذ الابتدائي في غرسها في التلاميذ، فتربوا عليها، وللأسف أتقنوها واخترعوا لأجلها أساليب تعذر فهمها وحلّ ألغازها من الحراس التربويون الذين سيبلغ عددهم في بكالوريا جوان القادم 2014 سبعة حراس في كل قسم وهو رقم مهول لا يوجد مثيل له في كل بلدان العالم.

يُجمع كل علماء الإسلام، بل كل المسلمين على أن الغش من المحرّمات، خاصة في العلم، ولا يوجد أوضح من الحديث الشريف الصحيح الذي روي عن الرسول صلى الله عليه وسلم الذي قال: »من غشنا فليس منا«، وفي رواية أخرى: »من غشنا فليس منا والمكر والخداع في النار«، ويعتبر العلماء الغش من صفات المنافقين لأنه خداع للنفس وللمجتمع ونسيان لله في لحظات الغش، وفي سورة البقرة يقدم القرآن الكريم الصورة الحقيقية للغشاشين في قوله تعالى: »يخادعون الله والذين آمنوا وما يخادعون إلا أنفسهم وما يشعرون«.

وهناك من يعتبر الغش في الامتحانات أبشع درجات الخداع، لأن العلوم هي من مقومات الإيمان بالله فالقرآن الكريم طالب المسلمين بأن يتعلموا ويتفكروا في الطبيعة وفي الإنسان وفي الحيوان وفي النجوم، وعندما يطال الغش هذه المعارف، فمعنى ذلك أن المسلم قد تجرأ على خداع الله وخداع المؤمنين الذين يتصوّرون أن النقاط الجيدة التي حصل عليها الغشاش هي ذكاء وجهد منه، وقد يمنحوه ثقتهم ويضعوه في منصب عال، وهو لا يستحقه، في أكبر خداع للذات من دون شعور كما جاء في القرآن الكريم. ولعل أحسن ما قيل عن الغش، ما قاله المرحوم العثيمين عندما سئل عن الغش في الامتحان فقال: إنه أخطر أنواع الغش، وأخطر من غش الأموال، فالطالب الجامعي الذي ينجح بالغش معناه أنه هيأ نفسه لأن يتبوأ مركزا عظيما في المجتمع لا يستحقه، على مقاس هذه الشهادة المزوّرة التي تضعه فوق غيره ومن هم أحسن منه وهو في الواقع لا يستحق المكان المرموق، ويصبح مصيبة على المجتمع، ويذهب المرحوم بن باز إلى أكثر من ذلك، فهو يطلب من المسلمين أن يُحذروا من الغش ويتواصوا بتركه، فإذا كان الغش في العبادات وفي العاملات محرّم بالإجماع فإنه في المتحانات يكون أكثر خطورة ويتسبب في أضرار دنيوية وأخروية تجعل من الذي يقوم به يأتي كبيرة وهو لا يدري، لأن فرعون غشّ الناس عندما قال لهم أنا ربكم الأعلى وهو بشر مثلهم، والوليد بن المغيرة غش الناس عندما قال لهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ساحر ومجنون وهو نبي الله، وهتلر غش العالم عندما اعتبر الألمان هم خير خلق الله، ولا فرق عند الله بين الأبيض والأسود إلا بالتقوى، والصهاينة غشوا العالم عندما أوهموا بعضه بأن أرضهم ممتدة من البحر إلى البحر، وهم لا يمتلكون منها شبرا، وهذا الطالب للبكالوريا أو للشهادة الجامعية غش نفسه وعائلته والمجتمع كافة، عندما أوهمهم أنه صاحب العلامات العليا والنجاحات المتتالية وهو أبعد الناس عن العلم، وإذا كان الكذب ينتهي بعد لحظات فإن الغش هو شهادة يعيش بها صاحبها طول العمر يفتخر بها أبناؤه وأحفاده وهو لا يستحقها وحصل عليها بالحرام، فيترك الإنسان الصالح أعمالا بعد وفاته تخدمه، ولا يجد الغشاش بعد موته سوى أعمالا تجرّه إلى الجحيم.

لو كان الغش في الامتحانات حالات استثنائية أو فعل عابر يأتيه الشواذ من التلاميذ والطلبة، لهان، واعتبرناه من الموبقات الممكن معالجتها، ولكن ما نراه ونسمع عنه في الجامعات وفي الثانويات ومن طرق تجاوزت كل الحدود فدخلت فيها الإباحية كأن تكتب الطالبة نظريات علمية ومعلومات معارفية في أماكن حسّاسة من جسدها حتى تستعملها في الغش ويحوّل الطلبة اختراعات تكنولوجية من هواتف نقالة وغيرها لأجل الغش فيحصلون على نقاط عليا وهم لا يبذلوا قطرة واحدة من الجهد وقد يأخذون مراكز سهر لأجلها وكدّ زملاؤهم، فيحرقون أفئدة أمهات وشباب مجتهد، ويفرحون هم باطلا بالغش.

وإذا كانت هذه الامتحانات المعروفة في الثانويات والجامعات من بكالوريا وماجستير، من إنجازات الحضارة الغربية التي سايرت الثورة الصناعية والتقدم التكنولوجي الحاصل حاليا في العالم، والبكالوريا هو امتحان انطلق في عهد نابوليون بونابارت في فرنسا، فإن العلم والمعرفة من الفرائض الواجب على المسلم القيام بها من دون التعدّي على طرق أخذها، ومنها الغش المحرم بصريح القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف، وفي بكالوريا السنة الماضية حدثت حالات غش والمؤسف أن بعض إطارا التعليم في وزارة التربية طالبوا بالسماح للغشاشين وإرجاعهم للمنظومة التربوية، وفي الجامعات الجزائرية الطامة أكبر حيث في الغالب يتم الصفح على الغشاش والغشاشة بطريقة تؤكد الاستهانة بقيمة العلم، بينما يضرب الغشاش في ألمانيا وفي الدول الاسكندنافية بيد من حديد ويطرد نهائيا من الكلية حتى يكون عبرة للجميع.

المسلم الحقيقي هو الذي يتعامل بالعلم كصديق يرافقه مدى الحياة، يتعرف عليه ويكون وفيا له، يبذل لأجله الجهد وسهر الليالي، ولا يمكن لهذا العلم بعد ذلك سوى أن يمنح لطالبه السعادة بالنجاح والتوفيق في المجتمع وفي حياته المهنية والخاصة، والغشاش الذي ظن نفسه بأنه خدع الله والناس، لا يعرف بأنه في أي تجمع علمي سيتحول إلى مبعث للسخرية، عندما يظهر جهله وتصبح الشهادات التي افتخر بها مجرّد بقع سوداء تلطخ وجهه.

ومن المظاهر المتناقضة أن بعض الطلبة في مختلف المستويات صاروا يحفظون الأدعية التي يرتلوها في أيام الامتحانات، ويحفظون معها طرق الغش، وفي المقابل لا يحفظون شيئا من المقرر، لأن الهدف أصبح النجاح فقط ولا يهم طريقة تحقيقه رغم أن طريق التفوق الوحيد هو الاجتهاد، وتبقى الصلاة والأدعية من الفرائض المطلوبة دائما وليس في أيام الامتحانات ولأجل النجاح والتفوق فقط، ومع ذلك فإنها مستحبة في كل خطوات الإنسان في الحياة وفي حياة طالب العلم ولكن يجب أن تكون مقرونة مع الاجتهاد، فيقول الطالب قبل الحفظ داعيا الله: اللهم إني أسالك فهم النبيين وحفظ المسلمين والملائكة المقربين، ثم يباشر بثقة وتركيز تحصيل دروسه، وبعد حفظها يتوجه لله بالقول: اللهم إني أستودعك ما قرأت وما حفظت وما علمت، فرده لي عند حاجتي إليه إنك على كل شيء قدير، ويناجي الله يوم الامتحان بدعاء الأنبياء: اللهم اشرح لي صدري ويسّر لي أمري واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي. على أن لا يعتبر هذه الأدعية حجابا يغطي به كسله ويحاول به أن يذر الرماد في أعين عائلته، لأن المؤمن الحقيقي هو الذي يبذل لأجل هدفه السامي ثم يدعوا الله أن يوفقه، وما دون هذا الطريق لن يتحقق للأمة اللحاق ببقية الأمم التي رفضت الغش وحاربته وطبقت حديث رسول الله الذي وضعناه نحن جانبا: من غشنا فليس منا.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .

إلى الأعلى