ھل یمكن رد أساس الریاضیات إلى معطیات العقل أم الحواس ؟ – مقالة فلسفية
الرئيسية » تحضير بكالوريا 2016 » آداب و فلسفة » ھل یمكن رد أساس الریاضیات إلى معطیات العقل أم الحواس ؟ – مقالة فلسفية

ھل یمكن رد أساس الریاضیات إلى معطیات العقل أم الحواس ؟ – مقالة فلسفية

انفصلت الریاضیات عن الفلسفة نتیجة وجود موضوع معین للدراسة ومنھج متبع في ذلك إلا أن وجود أي علم یستلزم وجود أساس یقوم علیھ أو مصدر یحدثھ ، ونتیجة ارتباط وجود الشيء بالواقع ذھب البعض إلى التأكید على أن أصل المفاھیم الریاضیة التي توصل إلیھا الفرد ھو التجربة الحسیة ” أي الواقع الحسي ” أو مدركاتنا الحسیة ، لكن عندما كانت الریاضیات تدرس موضوعات مجردة من كل مادة حسیة كانت القضایا التي تقررھا مطلقة ویقینیة معتمدة في ذلك على العقل ، وھذا ما یؤكد طابعھا العقلي .الاختلاف بین التصورین ترتب عنھ جدلا بین الفلاسفة والعلماء حول أصل المفاھیم الریاضیة فھل یمكن رد أساس الریاضیات إلى العقل أم التجربة .؟
یرجع وجود الریاضیات إلى العقل ، ھذا ما أكد علیھ العقلیون أو المثالیون الذین یقرون بإمكان الإنسان الوصول إلى تحقیق معرفة جوھریة عما یحیط بھ من أشیاء بواسطة الاستدلال العقلي الخالص بغیر اللجوء إلى مقدمات تجریبیة ، فالعقل بطبیعتھ یتوفر على مبادئ وأفكار فطریة سابقة للتجربة الحسیة وتتمیز بالبداھة والوضوح ، وأن كل ما یصدر عن ھذا العقل من أحكام وقضایا ومفاھیم یعتبر ضروریا وكلیا ومطلقا ، وعلى ھذا الأساس حصر ھؤلاء الریاضیات في أنھا جملة من المفاھیم المجردة أنشأھا الذھن واستنبطھا من مبادئ ومن دون الحاجة إلى الرجوع للواقع الحسي ، وذلك لأن الذھن توجد فیھ مبادئ قبلیة سابقة للتجربة ، وھو ما یؤكد بأن المعرفة الریاضیة تتصف بممیزات منھا المطلقیة والضرورة والكلیة ، وھي ممیزات خالصة موجودة في المعرفة الریاضیة وتتعذر في غیرھا من العلوم التي تنسب إلى التجربة ،ذلك لافتقارھا للقدرة الذھنیة والعقل الإنساني ،فالمكان الھندسي والخط المستقیم ومفاھیم العدد واللانھائي ، والأكبر والأصغر وغیرھا كلھا معان ریاضیة عقلیة مجردة لا تدل على أنھا نشأت عن طریق الملاحظة الحسیة ، إنما ھي صادرة عن العقل ، وإذا أردنا أن نستقرأ ھذه النظرة عبر تاریخ الفكر الفلسفي فنجدھا مجسدة في الفكر الفلسفي الیوناني حیث نجد الیونان ھم الذین نقلوا الممارسة الریاضیة من عالم الحس إلى عالم العقل ، من التطبیق العملي إلى التفكیر المجرد فجعلوا الریاضیات تتناول ما ھو ثابت وأبدي لا ما ھو متغیر ومؤقت ، وھنا نجد الفیلسوف الیوناني أفلاطون یعتقد أن المعطیات الأولیة للریاضیات توجد في عالم المثل ، وذلك لأن العقل حسبھ كان یحیا في ھذا العالم وكان على علم بسائر الحقائق ومنھا المعطیات الریاضیة الأولیة والتي ھي أزلیة وثابتة كالمستقیم والدائرة والتعریف الریاضي ، لكنھ عند مفارقتھ لھذا العالم نسي أفكاره فكان علیھ أن یتذكرھا وأن یدركھا بالذھن وحده یقول أفلاطون :” لیست مھمة العلم الریاضي خدمة التجار في عملیة البیع والشراء كما یعتقد الجھال ، بل تیسیر طریق النفس في انتقالھا من دائرة الأشیاء الفانیة
إلى تأمل الحقیقة الثابتة الخالدة”. فالمثلث المرسوم على الأرض أو الورق مثلا لا بد أن یلحقھ نقص ، فقد لا یكون مستویا تمام الاستواء ، وقد لا تكون أضلعھ مستقیمة تمام الاستقامة ، وعلى العكس من ذلك المثلث القائم في الذھن فھو كامل من جمیع الوجوه ( 1 ) والعلاقة ھنا بین الشكل الھندسي كما ھو في الذھن وبین الشكل نفسھ كما یرسم على الورق كالعلاقة بین الفكر والكلمة ، فكما أن الكلمة لا تعبر عن
الفكر تعبیرا كاملا فكذلك الأشكال الھندسیة الحسیة فھي لا تعبر تمام التعبیر عن الكلمات الھندسیة كما ھي موجودة في عالم الذھن أما في مجال الأعداد فقد صرف الیونان ومعھم أفلاطون نظرھم إلى البحث في بعض الأعداد والتأكید على صفة المطلقیة أو الأعداد الكاملة ، فالعدد الكامل عندھم ھو الذي یساوي مجموع قواسمھ مثل العدد ” 28 ” فھو یساوي مجموع الأعداد التي یقبل القسمة علیھا قسمة صحیحة
28 ” وبھذا المنطق اثبت أفلاطون وغیره من الفلاسفة الیونان  ان الریاضیات أصلھا مصدرھا العقل ، = 14 ، 7 ، 4 ، 2 ، وھي” 1 وھي تمتاز بالیقین والمطلقیة ، صالحة لكل زمان ومكان وبعیدة عن الواقع الحسي .
أما إذا جئنا إلى الفلسفة الحدیثة وجدنا الفیلسوف الفرنسي رونیھ دیكارت یعتبر أن المعاني الریاضیة من أعداد وأشكال وأفكار فطریة أودعھا لله فینا منذ البدایة مثل فكرة لله ، وأن ھذه الأفكار تتمتع بالبداھة والیقین ، ولما كان العقل أعدل الأشیاء قسمة وتوزیعا بین الناس فإنھم جمیعا یشتركون في العملیات العقلیة حیث یقیمون علیھا استنتاجاتھم ، فالیقین في الجبر مثلا حسب دیكارت یرجع إلى أنھ مبنى على قواعد صوریة منتظمة تطبق بشكل آلي – بوضوح تام – على الرموز بقطع النظر عن القیم التي یمكن أن تعطى لھا ، وبذلك یتأتى لنا إنشاء عوالم وأشكال ھندسیة یعجز تصورنا الحسي عن تشییدھا أو تمثیلھا ، الشيء الذي یمكننا من التعامل مع كائنات ریاضیة جدیدة قد لا یكون لھا مقابل في الواقع الحسي .( 2) لھذا اعتبر دیكارت الریاضیات مثال الدقة والوضوح والبداھة بعیدة عن الشك ، فنحن لا نقبل قضیة أو معتقد إلا إذا كان صادقا صدقا ذاتیا ، لأن الریاضیات تقوم على مبادئ وأفكار فطریة قبلیة أوجدھا العقل ولم یستمدھا من الخبرة ، وھذه المبادئ تمتاز بالوضوح لذلك فھي صادقة ولا یمكن الشك فیھا ، كما أن الریاضیات بنوعیھا ” الجبر والھندسة ” أكثر العلوم دقة لأنھا إستنتاجیة عقلیة ولا تعتمد على التجربة .

ولھذا عندما كانت الریاضیات معطى عقلیًا كانت من حظ الإنسان دون غیره من الأنواع الحیوانیة الأخرى التي تشترك معھ في الجھاز الحسي وھذا نتیجة امتلاكھ للعقل ، إضافة إلى ذلك نجد أن المفاھیم الریاضیة التي نجسدھا على الواقع أو الورقة أو أي سطح ھي مظھر من الصورة الحقیقیة الموجودة في العقل ، فالدائرة المرسومة لیست ھي الدائرة بالمعنى الحقیقي ، أي أن كل مفھوم ریاضي لیس لھ ما یقابلھ في الواقع الحسي ، فإذا لم نقل بالطابع العقلي لھا كان كل مفھوم یوجد في الذھن لھ ما یقابلھ في الواقع الحسي وھذا یخالف الواقع ” مفھوم الدائرة یصدق على ما لانھایة من الأشیاء ، وھذا كلھ راجع إلى أن الریاضیات قضایاھا مجردة علاقاتھا في منأى عن أي تغییر مثل +، = ،….. إلخ وھذا تأمل خاص یتسم بالصوریة والتجرید ، وخال من التناقض الشيء الذي من شأنھ أن یجعل الریاضیات تتسم بالصدق
والیقین . كما أن ظھور الھندسة اللإقلیدیة أكد الطابع العقلي للریاضیات ، حیث نجد ھذه الأخیرة صحیحة وصادقة رغم أن بناءھا قائم أساسا على الافتراض الذي یجسد ارتباط الصدق فیھا بعدم تناقض النتائج مع المقدمات داخل النسق ، وما ھذا إلا نشاط ذھني .

النقد :
لایمكن نفي دور العقل في تحدید المفاھیم الریاضیة ، كون الریاضیات كعلم عقلي مجرد یستلزم تدخل العقل في ذلك ، إلاّ أن ھذه النظرة مبالغ فیھا كون العقل إذا عزل عن معطیات الحواس لا یعطینا إلاّ أوھام وتخیلات میتافیزیقیة لا مفاھیم ریاضیة منطقیة ، لأن لا وجود لمنطق سلیم غیر منطق العقل وھذا ما یثبت أنھ لا یمكن اعتبار أصل المفاھیم الریاضیة ھو العقل .

النظرة التجریبیة { الأصل التجریبي }
المبادئ والمفاھیم الریاضیة مثل جمیع معارفنا فیما یرى الحسیون والتجریبیون مستقاة من الحس والتجربة ، وأنھ لیس ثمة في العقل شیئا إلاّ ما تمده بھ المعطیات الحسیة ، ولذلك فجمیع أفكارنا یمكن أن تحلل – في نظرھم – إلى مدركات بسیطة مستمدة من التجربة ، والقضایا الریاضیة التي یتخذ منھا العقلیون حجة لھم لیست في نظر جون ستیوارت میل سوى تعمیمات تجریبیة مثلھا مثل باقي الأفكار المجردة ، على أن منھم من یرى أن القضایا و الأفكار التي لا تستمد من التجربة لیست سوى عبارات فارغة من المعنى ، كون ھذه الأخیرة ھي المصدر الیقیني لكل أفكارنا ومعارفنا ، وأنھا ھي التي تخط سطورھا على العقل الذي ھو شبیھ بالصفحة البیضاء ، ولیس ثمة في ذھنھ معارف عقلیة قبلیة مستقلة عما تمدنا إیاه الخبرة وتلقنھ لھ الممارسات والتجارب ، وفي ھذا الصدد یقولون :” لا یوجد شيء في الذھن ما لم یوجد من قبل في التجربة .” ، ویقولون أیضا إن القضایا الریاضیة التي ھي من الأفكار المركبة لیست سوى مدركات بسیطة نتیجة التأمل ، وأنھ عند تحلیلھا ترتد إلى مصدرھا الحسي الذي ھو صورة من صور التجربة الحسیة الخارجیة . فالطفل في مقتبل عمره یستعمل العیدان أو یستخدام الحصى أو الأصابع ھذا ما أوحى لھ بفكرة العدد ،كما أن أشكال بعض الأشیاء الطبیعیة توحي بفكرة الأشكال الھندسیة مثل قرص القمر أوحى للإنسان بفكرة الدائرة ، وھذا ما أثبتھ تاریخ الریاضیات عندما بین أن تجربة مسح الأراضي كما یمارسھا قدماء المصریین ھي التي أدت إلى نشؤ الھندسة ، إذ نشأ ھذا الأخیر إلى جانب علم الحساب وغیره من العلوم في مصر الفرعونیة تحت ضغط الحاجات الإقتصادیة والاجتماعیة ، ففیضانات وادي النیل دفعت المصریین القدماء إلى ابتكار طرق وأسالیب ھندسیة لتحدید مساحات الحقول وتنظیم الزراعة والري ، كما أن اھتمامھم ببناء الأھرامات جعلھم یتقدمون في استعمال الخطوط والحساب ، وتدل المتوفرة حالیا على أن المصریین القدماء كانوا یعرفون كیف یستخرجون مساحات بعض الأشكال الھندسیة حتى تلك التي تتطلب القیام بعملیات معقدة نوعا ما ” مساحة نصف الكرة ، حجم جذع الھرم ذي القاعدة المربعة الشكل ، المثلث المتساوي الساقین ، خاصیة الوتر في المثلث القائم الزاویة ….. ، إلخ ” .
إضافة إلى ھذا كلھ نجد تاریخ العلم یدلنا أیضا على أن الریاضیات قبل أن تصبح علما عقلیا قطعت مرحلة كلھا تجریبیة ویشھد على ذلك أن العلوم الریاضیة المادیة ھي التي تطورت قبل غیرھا ، فالھندسة كفن قائم بذاتھ سبقت الحساب والجبر لأنھا أقرب إلى التجربة .وبھذا یصبح أصل الریاضیات ھو التجربة لا مصدر آخر .
النقد :
صحیح أن التجربة والواقع یمدان العقل بمختلف المعارف ، إلاّ أن ھذا المبرر غیر كاف لجعل التجربة الحسیة مصدرا وأساسا لعلم الریاضیات ، ذلك أن الإقرار بذلك یوقعنا في تناقض مع طبیعة الریاضیات التي علم عقلي مجرد موضوعھ المفاھیم الكمیة القابلة للقیاس .
التركیب :
عند النظر في ما جاءت بھ النظریة العقلیة والنظرة الحسیة نجدھما یفصلان بین العقل والتجربة ، رغم أن تاریخ الریاضیات یبین لنا أن المعاني الریاضیة لا یمكن اعتبارھا أشیاء محسوسة كلھا ، ولا مفاھیم معقولة خالصة ، بل یمكن أن یتكاملا معا لتفسیر نشأة المعاني الریاضیة ، لھذا فلا وجود لعالم مثالي للمعاني الریاضیة في غیاب العالم الخارجي ، ولا وجود للأشیاء المحسوسة في غیاب الوعي الإنساني بمعزل عن ملكة التجرید ، لذا نجد المعاني الریاضیة لم تنشأ دفعة واحدة بل نمت وتطورت بالتدریج عبر الزمن ، فقد بدأت حسیة تجریبیة ، ثم تطورت وأصبحت مفاھیم استنتاجیھ مجردة ، بل تعبرعن أعلى مراتب التجرید باستعمال الصفر، الأعداد الخیالیة والمركبة ، المنحنیات التي لا مماس لھا ، المجاھیل ” س ” ، …. لھذا قال بیاجي ” إن المعرفة لیست معطى نھائي جاھزا ، وأن التجربة ضروریة لعملیة التشكیل والتجرید .” ، وھذا ما یثبت دور العقل والتجربة في إعطائنا مفاھیم ریاضیة ، وھنا نجد العالم الریاضي السویسري فردینناد غونزیث یقول :” في كل بناء تجریدي یوجد راسب حدسي یستحیل محوه وإزالتھ ، ولیست ھناك معرفة تجریبیة خالصة ، ولا معرفة عقلیة خالصة ، بل كل ما ھناك أن أحد الجانبین العقلي والتجریبي قد یطغى على الآخر دون أن یلغیھ تماما .” .
خاتمة :
یمكن القول في الأخیر أن أصل الریاضیات وإن اختلفت فیھ وجھات النظر یكون نتیجة تكامل أساسي العقل والتجربة ، مع القرار بالغلبة للعقل كون الریاضیات علم عقلي والإقرار بعكس ذلك یوقعنا في تناقض ، كون الریاضیات عالم العقل والتجرید ، وھذا ما أثبتھ تطور الریاضیات في العصر الحدیث حیث ابتعدت عن الطابع الحسي المطلق نتیجة التجرید المعتمد .

تعليق واحد

  1. شكرا على مابذلتموه من مجهودات يارب ينجح كل مسلم

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .

إلى الأعلى